أبي طالب المكي
255
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ولو قلت في سبيل الله لوجدته في حسناتك . وفي رواية أخرى قال : وتصدقت يوما بصدقة بين الناس فأعجبني نظرهم إليّ فوجدته لا علي ولا لي . قال سفيان : وقد رووا هذا ما أحسن حاله حيث وجدها لا له ولا عليه قد أحسن إليه . ومن أوذي أو اغتيب فليحتسب عرضه عند الله تعالى ، فلعل ذلك يكون سبيا لنجاته . فقد روي أنّ العبد ليحاسب على أعماله كلها فتبطل بدخول الآفات فيها حتى يستوجب النار ، ثم ينشر له أعمال من الحسنات لم يكن عملها فيستوجب به الجنة ، فيعجب من ذلك فيقول : يا رب هذه أعمال ما عملتها ؟ فيقال : هي أعمال الذين اغتابوك وآذوك وظلموك جعلت حسناتهم لك ، ولا تحقرن شيئا من الأعمال وإن قل فتخليه من النية أو تصغره فربما كان هلاكه وعطبه فيه وهو لا يعلم . وقد روي ابن المبارك عن الحسن : أنّ الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول : بيني وبينك الله تعالى : فيقول : والله ما أعرفك . فيقول : بلى أنت أخذت من حائطي تبنة وأنّ الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول : هذا أخذ من ثوبي زبيرة . ومات حماد بن أبي سليمان وكان أحد علماء أهل الكوفة ، فقيل للثوري : ألا تشهد جنازته ؟ فقال : لو كانت لي نية لفعلت . ومات الحسن البصري فلم يحضر ابن سيرين جنازته فسئل عن ذلك فقال : لم يكن لي نية . وقد كان العلماء إذا سئلوا عن عمل شيء أو سعي فيه يقولون : إن رزقنا الله نية فعلنا ذلك . وقال يحيى بن كثير : « حسن النية في العمل أبلغ من العمل » . وقال بعض السلف كانوا يستحبون أن يكون لهم في كل شيء نية . وقال الفضيل بن عياض : لا تتحدّث إلَّا بنية . وكان بعضهم يقول : الخوف على فساد النية وتغيرها أشد من ترك الأعمال . وقال الثوري : من دعا رجلا إلى طعامه وليس له نية في أن يأكل فإن أجابه فأكل فعليه وزران . وإن لم يجبه فعليه وزر واحد فصيّر عليه وزرين مع أكل طعامه بغير نية ، لتعرضه للمقت وحمله أخاه على ما يكره ، إذ لو علم لما أجابه . فمن أفهمه الله تعالى إخلاص النية وزاده معرفة الإخلاص أخرجه ذلك إلى الهرب من الناس ليخلص له معاملته لأنه ينظر بعين اليقين ، وإذا لا ينفعه شيء إلَّا شيء بينه وبين الله عزّ وجلّ لا شريك فيه لسواه ، وهذا المعنى هو الذي أخرج طائفة الأبدال إلى الكهوف تخليا من أبناء الدنيا لخلاص أعمالهم إلى النظر إليهم ، فهم وإن فارقوا فضائل الأعمال من صلاة الجماعة وغيرها فقد تقرر عندهم أنّ اجتناب معصية واحدة خير من عمل سبعين طاعة ، فلذلك فارقوا فضول النوافل خشية دخول معصية واحدة عليهم . والجاهل بالله عزّ وجلّ يعمل في طلب الفضائل ولا يبالي بيسير الذنوب وفيها بعد من الله تعالى ، وليس ذلك طريق المقربين . وقد تختلف النيات